تجربة تعلم لغة ثالثة
بديت أتعلم أردو بدون سبب جِدّي.
بعضهم يتعلمها عشان يترجم او يتطوع بالحج او له نسب (Heritage Learner)1 او دعوة جاليات او مبيعات إلخ.. اما انا ما فرقت معي اي لغة بعد الإنجليزي بس كان عندي وقت أشغله، وحبيت اجرب شي جديد، وحصّلت خارطة طريق2 شفتها منطقية حمستني ابدأ.
حطيت خياراتي للغات اللي ممكن اتعلمها حسب عدد المتحدثين3: صيني، وإسباني، وروسي، وأردي/هندي. وبعد الترشيح اخترت الأردية، لأنها ما تستخدم حروف لاتينية (طفشت منها)، لغة بثقافة شرقية قريبة، وأسهل نسبيًا على متحدث العربية عشان أحس بإنجاز وتقدم أسرع، وممكن تفيدني بشي بحكم انه بالسعودية جالية كبيرة من المتحدثين، وعندي فضول أعرف وش يقولون وراي.
وقبلها بشوي شاركت حضوريًا لأول مرة في إحدى مسابقات التقاط العلم (CTF)، وتعرّفت على باكستاني بالصف المتوسط بس ذكي، وتساءلت كيف فيه ناس مسلمين ما يعرفون عربي بالمستوى اللي المفروض يكونون فيه وهم عايشين سنين بين متحدثين أصليين ويدبّرون أمورهم بدون إتقان للغة؟! ويمكن إذا سواق سيارة الأجرة عرف إني أفهم كلمتين، ينزل السعر شوي ههه (لم يحدث قط).
الفضول هذا تحوّل إلى 130 ساعة متتبَّعة خلال الأشهر اللي بعدها. الهدف كان حوالي 500 ساعة عشان أوصل لمستوى يناسبني، بس التجربة أخذت منحى ثاني.
عن الأردية
الأردية هي نفسها الهندية4، بس تختلف طريقة الكتابة (script)، كأنهما لهجتين من نفس اللغة. فصلهما رسميًا كلغتين مختلفتين سببه سياسي أكثر منه لغوي، والمعيار الحقيقي لكونهما لغة وحدة هو قدرة أهلهما على فهم بعض. فيه حالات مشابهة للغة رسميًا لكن متحدثيها بالكاد يفهمون بعض، ولغة يفهمها الكل بس انقسمت لأربع لغات رسميًا لأسباب سياسية بحتة5.
الأردية لغة هندية-آرية، بس متحدث العربية يألفها بسرعة لأنها تُكتب بخط عربي-فارسي (النستعليق): نفس الحروف اللي تعرفها، مع زيادات مثل ٹ وڈ وڑ للأصوات الهندية و پ وچ وگ وژ للأصوات الفارسية، وتقرأها بسهولة بعد شوية تدريب على الأصوات الجديدة. أما مفرداتها فمعظم كلماتها اليومية وكل أفعالها (حوالي 60٪) جذورها سنسكريتية، وحتى الفعل اللي ما يجي منها يتبع قواعدها6، مو من العربي والفارسي كما يتصور كثير. واللي يميّزها إن فوق هالأساس الهندي طبقة فارسية-عربية تعطيها نكهتها الأدبية، وتخليها أخف على اللسان وأكثر “رومانسية” من الهندية، زي ما اللهجة الشامية أنعم من الخليجية.
ولنفس هالخط قصة رقمنة تستاهل مقالة لحالها: النستعليق كان يُعتبر “معقّدًا” على الشاشات لسنين، لدرجة إن كثير من الشباب هجروه للإنجليزي أو للأردو المكتوبة بحروف لاتينية (Roman Urdu) لغياب حل أفضل. وفيه مطوّرين تصدّوا لهالشي:
- مدثّر عظيمي كتب رسالة لتيم كوك (الرئيس التنفيذي لآبل) سنة 2014 بعد ما جرّب كل شي يخطر على باله عشان يسهّل الكتابة بلغته، وطوّر تطبيق لوحة مفاتيح تحمّل أكثر من 165 ألف مرة، بس مع ذلك كانت الحروف تطلع على الشاشة بخط مختلف تمامًا.7
- زيرک أحمد بنى لوحة مفاتيح Matnsaz8 وقاعدة بيانات نصية للأردية، منطلقًا من فكرة إن الحوسبة تعامل اللغات غير اللاتينية كمواطن من الدرجة الثانية، وإن المشكلة مو في الأردية، المشكلة إن الحوسبة نفسها هي اللي ما تكفيها.9
ومما لفتتني وأنا أتعلم: إنهم يخلطون إنجليزي كثير وسط الكلام، وهذا يزعج المتعلم اللي جاي يبي أردو صافية. وقعدت أسأل نفسي: كيف نراعي نحن هالشي في العربية؟ الموضوع عالمي بين أي لغة محلية والإنجليزية الغالبة، حتى الفرنسي والألماني صاروا يخافون من هالهيمنة.
كيف تعلمت: الصوت أولاً
الطريقة اللي مشيت عليها مبنية على منهجية ريفولد (Refold)2، وباختصار فكرتها إنك تتعلم اللغة بالانغماس (immersion): تسمع وتشاهد محتوى تفهم أغلبه، وتترك القواعد والحفظ الجاف يجون تبعًا، مو العكس.
وبشكل عملي، هذي المبادئ هي اللي مشيت عليها:
- الصوت أولاً: مدخلي الأساسي صار مشاهدة واستماع لمحتوى أحبه، مو قراءة كتب باردة.
- إنتاج يومي حتى لو غلط: خمس دقايق أسرد فيها يومي بصوت عالٍ أنفع من خمسين بطاقة أنكي.
- القراءة كمرحلة ثانية: أقرأ نص المقطع بس بعد ما أكون سمعته وفهمته.
- تعدين الجمل مو الكلمات: بطاقات أنكي مبنية على جمل كاملة سحبتها من محتوى شفته، مو كلمات معزولة.
- الكورسينج (Chorusing): أكرّر جملة وأقولها بتزامن مع الأصل لين يضبط إيقاع فمي عليها، وهذا اللي يحوّل “أنا أميّزها” إلى “أقدر أقولها بسلاسة”.
ايش بنيت
الجزء الممتع، هو قد إيش هالطريقة احتاجت أدوات مو موجودة للغة الأردية، فبنيت بعضها من الصفر وعدّلت بعضها من مشاريع مفتوحة مصدر (بشكل مبالغ فيه، أعترف، over-engineering):
- urdu-youtube-transcriber: أداة CLI تنزّل مقطع يوتيوب أو قائمة تشغيل، وتفرّغ الصوت الأردو محليًا باستخدام
faster-whisper، وتترجمه اختياريًا للإنجليزي أو العربي. هذي اللي تحوّل “مقطع يوتيوب عجبني” إلى نص نظيف أقدر أقرأه بعد ما أسمعه. - urdu-youtube-subtitle-flutter-app: واجهة موبايل لنفس الفكرة، عشان ما تكون محصورة بالكمبيوتر.
- lute-v3 (نسخة معدّلة من LUTE): عدّلت أداة القراءة مفتوحة المصدر هذي خصيصًا للأردو: خط نستعليق صحيح، إصلاحات لتخطيط RTL، وقائمة أشياء لسا أبيها (صوت الكلمة عبر Forvo، بحث أسرع بالقاموس، ترجمة بمساعدة الذكاء الاصطناعي).
- LuteForMobile (نسخة معدّلة من schlick7/LuteForMobile): واجهة جوال لنفس أداة القراءة.
- asbplayer (نسخة معدّلة من asbplayer الأصلي): قمرة قيادة تعدين الجمل. أتفرّج على مقطع فيه ترجمة، أضغط زر، والجملة والصوت واللقطة توصل لأنكي عبر AnkiConnect.
- the-chorusing-lab (نسخة معدّلة من مشروع Mycheze): تطبيق ويب لجمع وتنظيم مقاطع الكورَسينج، والفكرة الأصلية إن أدوات الكورسينج المتوفرة زي Audacity مرهقة للاستخدام المتكرر.
- youtube-unlimited-looper-extension: إضافة كروم لتكرار جزء محدد بدقة (نقطة A إلى B) من أي مقطع يوتيوب، لأن يوتيوب ما يعطي تكرار دقيق لمقطع صغير وهو أساس الترديد.
- udb-scraper: سكربت بلغة Go يسحب بيانات من موقع مجمع اللغة الأردية الرسمي بباكستان، لبناء قاموس يشتغل بدون إنترنت.
- urdu-elibrary-books-scraper: ينزّل كتب EPUB من مكتبة أردية إلكترونية، عشان أوفّر مادة قراءة أردية أشتغل عليها.
ولا وحدة من هالأدوات سويتها لأني احتجتها بشغل أو لعميل، سويتها (بناءً أو تعديلاً) لأن نظام تطبيقات تعلم اللغات القياسي ما يهتم فعليًا بالأردو، ولما فهمت بالضبط وش تحتاجه طريقتي، كان أسرع أبني الجزء الناقص من إني أستمر أتحايل على غيابه. وبشكل ما حسّيت إني صرت جزء من نفس معركة الرقمنة، لأن هالأدوات في جوهرها محاولة تخلي الأردية “مواطنًا رقميًا” من الدرجة الأولى.
وسجّلت مقطع قصير أشرح فيه أهم هالأدوات: أدوات تقنية في تعلم اللغة الأردية.
ماذا بعد؟
توقفت بعد ما تجاوزت المئة ساعة. وصلت لإنجاز حلو: أكمّل محادثة بسيطة، وأسرد يومي بأردو ركيك، بس الأهم إن الفضول اللي بدأت بسببه تم إشباعه.
أتوقع إني الفترة الجاية بركّز فيها على تعلم الخط الهندي (ديفاناغري). أكبر مشكلة واجهتني إني ما ألقى محتوى يعجبني وله نص أو تفريغ جاهز، واليوتيوب ما ينشئ ترجمة تلقائية للأردية، بل للهندية. فلو عرفت أقرأ الخط الهندي بينفتح لي كمّ محتوى جيد، وبيسهّل علي بدال أدوات التفريغ اللي بنيتها.
مصادر أنصح فيها للأردية
- الحروف: تعلّمها من قائمة التشغيل بدون ما تحفظها بالقواعد مرة وحدة.
- القراءة: بعد ما تعرف الحروف، تمرّن على القراءة في Karak Languages، منصة رهيبه، وصاحبها باكستاني غيور على لغته.
- المنهجية: ريفولد (Refold)، استراتيجية مرتبة تقدر تتعلم فيها أي لغة لها مصادر بالنت، وعندهم Anki deck للمفردات الأردية.
- أدواتي: كل الأدوات اللي فوق مفتوحة المصدر على حسابي في GitHub، والمقطع اللي أشرح فيه أهمها هنا.
نصايح عامة لأي لغة
- ما يحتاج تعلن عن نفسك. حتى لأهل اللغة، غالبًا محد بيهتم، وبعضهم بيثبّطك أو يأخرك عالفاضي. وأحيانًا يجيك ردّ فعل غريب حسب اللغة: فيه لغات يرتابون منك لو تعلمتها، وفيه ناس يتخيّلون لك نوايا ما خطرت على بالك. تعلّم بهدوء لنفسك، وخلّ النتيجة تتكلم عنك.
- كل شي مهم، بس الأولويات تختلف. لا تصدّق اللي يقول “القواعد ما تهم” ولا اللي يقول “المفردات ما تهم” ولا “بس اسمع وما يحتاج حفظ”. كلها مهمة، لكن ترتيب أولوياتك يعتمد على هدفك وطريقتك ومستواك. اللي يناسب واحدًا يبي يقرأ الشعر غير اللي يبي يسولف مع زملائه.
- اختر محتوى تحبه فعلاً. أسوأ شي تفرضه على نفسك محتوى ما يعجبك عشان “تتعلم”. لو المحتوى يخالف ذوقك أو قيمك، بيتحوّل التعلم لعذاب، والانغماس أصلاً يعتمد على إنك تستمتع.
- قِس تقدمك بالإنتاج، مو بالساعات. سجّل نفسك دقيقة وأنت تسرد يومك، وقارن شهرًا بشهر. الساعات المسجّلة وعدد البطاقات مؤشرات خادعة.
لو حاب تبدأ تتعلم لغة، أو الأردية، وعندك أي سؤال عن المنهجية والمصادر، أسعد بتواصلك. اسألني أي شي وبحاول أفيدك قدر الإمكان.
هامش
-
تعلّم لغة الموروث (Heritage language learning)، ويكيبيديا - https://en.wikipedia.org/wiki/Heritage_language_learning ↩
-
ريفولد (Refold)، منهجية تعلم اللغات بالانغماس - https://refold.la ↩ ↩2
-
قائمة اللغات حسب عدد المتحدثين، ويكيبيديا - https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_languages_by_total_number_of_speakers ↩
-
الهندوستانية (Hindustani)، الأصل المشترك للهندية والأردية، ويكيبيديا - https://en.wikipedia.org/wiki/Hindustani_language ↩
-
الصربوكرواتية (Serbo-Croatian)، لغة واحدة متعددة المراكز بأربع صيغ رسمية انقسمت سياسيًا بعد تفكك يوغسلافيا، ويكيبيديا - https://en.wikipedia.org/wiki/Serbo-Croatian ↩
-
كيف تصنع الأردية مفرداتها (Word magic: how Urdu creates its vocabulary)، مدونة ريكتا (Rekhta Learning) - https://rekhtalearning.com/blog/word-magic-how-urdu-creates-its-vocabulary/ ↩
-
How to bring a language to the future، مجلة Rest of World - https://restofworld.org/2021/bringing-urdu-into-the-digital-age ↩
-
Matnsaz، لوحة مفاتيح أردية حديثة - https://matnsaz.net ↩
-
The Fight to Preserve the Urdu Script in the Digital World، مجلة TIME - https://time.com/6317817/urdu-nastaliq-digital (وأيضًا: Zeerak Ahmed brings software innovation to Urdu، Harvard MDE - https://mde.harvard.edu/zeerak-ahmed-mde-18-brings-software-innovation-to-urdu) ↩